من يمتلك النفط؟

   من يمتلك النفط؟ 

د. مهند العلام

  10/09/2026 

أثارت المعارك الخليجية القائمة اليوم أسئلة سياسية واجتماعية مختلفة، يمكن صياغتها في سؤال: كيف تتحول ملكية النفط إلى سيادة فعلية إذا كانت طرق تصديره، وتحصيل عائداته، وحماية منشآته تعتمد على قوى أخرى؟ 

ففي التحديث الاقتصادي الإقليمي للبنك الدولي لشهر أكتوبر 2026، تظهر انعكاسات تعطل التصدير على العلاقة المعتادة بين ارتفاع أسعار النفط ومصلحة الدول المصدّرة. إذ يتوقع البنك انكماش اقتصادات مجلس التعاون بنسبة 4.3% في 2026، مع تراجع الإنتاج والإيرادات رغم ارتفاع الأسعار. ما يعني أن هناك تمييزاً بين امتلاك الموارد وبين القدرة على تحويلها إلى دخل للدولة. فحجم الصادرات، وكلفة النقل، والقدرة على تحصيل الإيرادات تدخل في ممارسة هذه السيادة، بدل الاكتفاء بسعر البرميل. 

كذلك أبرزت الحرب على إيران مسألة مرور النفط والوصول إلى الدولار، وعلاقة المال والسلاح بالقدرة على التصرف في المورد. فالسيادة هنا تُختبر في ترتيبات التجارة والتمويل والحماية، وانتهاء الوجود العسكري الأمريكي لا يحسم وحده القدرة على اتخاذ القرار المستقل، ما يفتح السؤال عن تفاعل الجيش والمال والموارد في تشكّل الدولة. 

وفي هذا السياق، تصبح الدول المصدّرة للنفط ساحة للتنافس على الحصة السوقية والقدرة على استعادة الأسواق مع تحسن التصدير. وقد يضغط هذا التنافس على التنسيق النفطي، بينما تظل مخاطر النقل والتأمين عاملاً مؤثراً في الأسعار والعائدات. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن العلاقة بين استقلال القرار الوطني والقدرة الجماعية للمنتجين على التأثير في السوق. فالقدرة على زيادة الإنتاج لا تكفي إذا بقي الوصول إلى الأسواق مقيداً، كما أن استعادة التصدير لا تعني وحدها استعادة القدرة على تحديد شروط البيع.

 يضاف إلى ذلك التوسع التكنولوجي الصيني، والتحول من شراء المعدات إلى الاعتماد على منظومات تشغيل ومعايير وبرمجيات وتدريب. مما قد يوسع القدرات الصناعية، ويخلق في الوقت نفسه اعتماداً تشغيلياً على مزوّدين خارجيين. 

وهنا نعود إلى سؤال السيادة الاقتصادية، من النفط إلى البنية التي تدير الطاقة والصناعة. وهل تنويع مصادر الدخل يرافقه تنويع القدرة على التحكم؟ فالاعتماد التكنولوجي لا يكفي وحده لإثبات التبعية، كما أن وجود أكثر من مورّد أجنبي لا يكفي وحده لضمان الاستقلال؛ إذ يتوقف الأمر على القدرة على التشغيل والاستبدال، وعلى حجم القيود التي يستطيع المورّد فرضها. 

إن اختلاف المسارات الوطنية للطاقة بحسب ظروف كل دولة، واختيار مسار التنمية داخل النقاش المناخي الدولي، يفتحان المجال للنظر في العلاقة بين المورد والمال والسلاح. وفي حالة دول الخليج خلال هذه الحرب، يكشف ارتفاع الأسعار وتراجع الإيرادات أن القوة النفطية لا تُقاس بالاحتياطي وحده، بل أيضاً بالقدرة على الإنتاج وإيصال النفط وتحصيل ثمنه. 

فالسيادة النفطية لا تقتصر على الملكية أو البيع، وإنما تمتد إلى التحكم بالمورد وعائداته. وهي تُختبر بين الحقل والمضيق والمصرف، عبر حلقات الإنتاج والعبور وتسوية العائدات، وما قد يتداخل معها من قيود خارجية أو نفوذ لقوى مسلحة، بحسب ظروف كل دولة. بمعنى أن السيادة النفطية تبدأ بالحق في المورد، وتتعزز بالقدرة على التصرف فيه والاستفادة من عائداته. والبيع إحدى صور هذا التصرف، إلى جانب التصنيع والاستهلاك المحلي وقرار إبقائه في الأرض. وهنا يمكن التمييز بين مستويين: السيادة القانونية، المتعلقة بمن يملك النفط ويمنح امتيازات استخراجه ويحدد شروط استغلاله؛ والسيادة الفعلية، المتعلقة بمن يقرر حجم الإنتاج، ولمن يُباع، وبأي شروط، ومن يتحكم في نقله وتحصيل ثمنه واستخدام عائداته. 

فقد تملك دولة ما النفط، لكن قدرتها على الاستفادة منه تبقى مقيدة إذا تعطل تصديره أو فُرضت قيود على تحصيل عائداته والتصرف فيها. وفي المقابل، القدرة على بيعه وحدها لا تعني السيادة؛ فقد تبيع شركة نفطاً دون أن تملك حق تقرير سياسة المورد. 

وبذلك لا تتحول الملكية تلقائياً إلى قدرة سيادية على التحكم بمصير النفط وعائداته. فالملكية تؤسس الحق، بينما تجعل القدرة على إدارة سلسلة النفط هذا الحق قابلاً للممارسة. فمن يمتلك النفط؟ وهل يكفي أن يكون الحقل مملوكاً قانونياً، أم أن ممارسة هذه الملكية تتوقف أيضاً على من يتحكم في استخراجه وعبوره وبيعه وتحصيل عائداته؟

 إن حق الشعوب في ثرواتها النفطية لم يصبح من الماضي، لكن قدرتها على ممارسته قد تضعف حين تتقيد إدارة المورد أو تغيب المحاسبة على منافعه. فبقاء الحق لا يعني تحقق الانتفاع به، كما أن ضعف الانتفاع لا يعني زوال الحق. وملكية الدولة للنفط تفتح هنا سؤالين متصلين: هل تستطيع الدولة التحكم بثروتها وإدارة إنتاجها وبيعها وعائداتها؟ وهل يستطيع الشعب المشاركة في قرار إدارة هذه الثروة، ومراقبة إنفاقها وتوزيع منافعها، ومحاسبة أصحاب القرار؟ 

فحق الشعوب في النفط، في ضوء ما تكشفه هذه الحرب من تباعد بين الملكية القانونية والقدرة على التصرف، يحتاج إلى ما يجعل ممارسته ممكنة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى قدرة على إدارة المورد، ومشاركة في القرار، ومحاسبة على العائدات؛ حتى تكون ملكية النفط طريقاً إلى الانتفاع به.