العبودية الجديدة: رزقٌ مشروط بالطاعة


 

العبودية الجديدة: رزقٌ مشروط بالطاعة

د. مهند العلام

15/10/2026

 

نعيش اليوم بوسط سائل يعتمد على من يتحكم بأسباب عيش الإنسان فانه يمتلك القدرة على التحكم بقراره.

فإذا كان العمل والسكن والغذاء والأمان مرهوناً برضا جهة واحدة، تصبح حرية الاعتراض مكلفة، وقد تصبح مستحيلة.

فالإنسان الذي يخشى خسارة معيشته بسبب موقف، يتعلم حساب عواقب الكلام قبل النظر في صحته. ومن هنا تبدأ السيطرة الاجتماعية: حين تصبح الحاجة اليومية وسيلة لإنتاج الطاعة، ويغدو استمرار الحياة مشروطاً بالامتثال لمن يملك مواردها.

وهذه المسألة يثيرها الكاتب الجنوب أفريقي دوغلاس كروغر في نقده للتبعية الاقتصادية. فالملكية تمنح الفرد مساحة للاستقلال، وتحدّ من قدرة الآخرين على فرض شروطهم عليه. وحين يتنازل الإنسان عن وسائل استقلاله مقابل وعد بتوفير احتياجاته، يصبح السؤال ضرورياً: ما الذي يضمن حقوقه إذا تغيّرت الشروط؟ ومن يحميه إذا اختلف مع الجهة التي تمنحه ما يعيش به؟ [1]

فقد ارتبطت عبارة "لن تملك شيئاً وستكون سعيداً" بسيناريو مستقبلي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2016، ثم حضرت في الجدل حول مبادرة "إعادة الضبط الكبرى" التي أُعلنت عام 2020، لتطرح سؤالاً ضرورياً: ماذا يبقى من استقلال الإنسان حين تتركز الموارد والخدمات والبيانات لدى جهات يصعب عليه الاستغناء عنها أو محاسبتها؟

فصيغة "لن تملك شيئاً، وستمنحك السلطة كل شيء" تختصر منطق الوصاية، سواء مارسته دولة ام حزب أم عشيرة أم شبكة مصالح.

فالخطر يتحدد حين تحتفظ الجهة المانحة بحق المنع، ويعجز المتلقي عن الرفض أو المغادرة. وهنا نقترب من عبودية معاصرة تستمد قوتها من امتلاك شروط الحياة، وقد تكون محاطة بالتقنيات والخدمات ووعود السعادة، لكنها تجعل الإنسان عاجزاً عن اتخاذ موقف مستقل خوفاً من فقدان ما يحتاج إليه.

وفي مجتمعاتنا اليوم نشأت مصالح واسعة حول حاجة المواطن إلى الوسيط. فالوظيفة قد تحتاج إلى صلة بحزب، والحماية إلى عشيرة، والمعاملة إلى صاحب نفوذ.

وكلما ضعفت المؤسسة، ازدادت قيمة الشخص القادر على تجاوزها. ولهذا فإن تعطل الدولة قد يكون منفعة لمن يبيع القدرة على تحريكها. فصاحب النفوذ يستمد جزءاً من سلطته من بقاء المواطن عاجزاً عن الوصول المباشر إلى حقه. وحين يصبح الطريق إلى المؤسسة مارّاً بالحزب أو العشيرة، تتراجع المواطنة، وتتقدم علاقات الحماية والولاء والمقايضة.

وقد تؤدي العشيرة او الحزب وظائف في الحماية وتوفير الفرص، تنشأ عنها علاقات وبما قد ينشأ عنهما من سلطة. فالناس يلجؤون إليهما لأنهم يحتاجون إلى الأمان والتكافل، خصوصاً حين لا يثقون بقدرة القانون على إنصافهم.

لكن هذه الحماية تتحول إلى تبعية عندما تمنح الجماعة نفسها حق تقرير خيارات الفرد. ومع تكرار ذلك، يتراجع حضور الحق، ويبرز فضل الشخص الذي أوصله إلى صاحبه. ويُطلب من المواطن أن يترجم الامتنان إلى ولاء. وهكذا تتحول موارد الدولة إلى وسائل لبناء التبعية، ويصبح الحصول على الاستحقاق بداية التزام تجاه من سهّل الوصول إليه.

فالانتماء يمنح الإنسان الأمان والمعنى، لكنه يتحول إلى وصاية عندما يُعامل الاختلاف بوصفه خيانة، ويصبح الاحتفاظ بالحماية مشروطاً بالتنازل عن القرار.

وتزداد السيطرة إحكاماً وأشد تعقيداً عندما تكتسب لغة أخلاقية أو دينية وتتحدث وتستخدم بلغة الاستشهاد الديني لتحصين قراراتها من النقد. فمن يفرض وصايته باسم الفضيلة يستطيع تحويل الاعتراض عليه إلى اتهام لصاحبه، ويمنح لنفسه سلطة الحكم على سلوكهم ونياتهم، ويجد الفرد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن سمعته وإيمانه قبل الدفاع عن حقه.

وهنا تُستخدم مكانة الدين في الضمير الاجتماعي لحماية الأشخاص والممارسات من النقد، وتُفرض الطاعة بسلطة المقدس.

وهذا التحول يتصل مباشرة بما ناقشته في كتابي «أزمة المعنى»: فحين يُختزل الدين في هوية جماعية ومصلحة سياسية، تتغير وظيفته في حياة الإنسان. ويتقدم سؤال النفوذ على سؤال المسؤولية، ويصبح الانشغال بفرض المظاهر بديلاً عن بناء الضمير.

إن أزمة المعنى تظهر حين تُسمّى الوصاية حماية، والمحسوبية مساعدة، والصمت حكمة. وحين يتعلم الإنسان أن السلامة في تجنب الموقف، وأن عليه قبول ما يُعطى وشكر من يعطيه. ثم ينقل هذه الخبرة إلى أبنائه باعتبارها معرفة بالحياة.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة التالية، فقد يزداد حضور الخطاب الأخلاقي، فيما يضعف العدل وتنتشر المحسوبية ويُهان الإنسان. فوفرة الوعظ لا تكفي للحكم على أخلاق المجتمع؛ فالمعيار هو ما يلقاه الضعيف والمختلف من إنصاف.

وبذلك تستقر السيطرة داخل الوعي اليومي، ويصبح الخوف قادراً على ضبط السلوك من دون تدخل مستمر. وتبدأ الهزيمة الأعمق عندما يفقد المجتمع القدرة على تخيل علاقة أكثر عدلاً بالسلطة.

ولا تعني مواجهة هذه التبعية التخلي عن الحقوق الاجتماعية. فالتعليم والعلاج والضمان توسع حرية الإنسان عندما يحميها القانون وتبقى مستقلة عن الولاء. والمطلوب أن يحصل المواطن على حقه مباشرة، وأن يستطيع محاسبة المؤسسة التي تمنعه. كما أن الملكية وحدها لا تكفي إذا غابت حماية القانون؛ فقد يمتلك الإنسان بيتاً، ويظل خائفاً على حياته وعمله وسمعته إذا خالف أصحاب النفوذ.

لهذا ينبغي أن يُقاس أي مشروع لإعادة تنظيم المجتمع بما يمنحه للإنسان من استقلال وضمانات.

فمن يملك الموارد؟ ومن يحدد شروط الوصول إليها؟ وهل يستطيع الفرد الاعتراض من دون خسارة معيشته؟ هذه أسئلة الحرية الفعلية.

أما السعادة التي يُشترط لها تسليم القرار، فهي وعد بالراحة تحت الوصاية.

ولذلك يبدأ التحرر حين يستطيع الإنسان أن يقول «لا»، ويحتفظ بعدها برزقه وأمانه وحقوقه.

مشكلة الحرية في بلادنا تبدأ حين يحتاج المواطن إلى شخص كي يحصل على حقه. فالوظيفة تحتاج إلى واسطة، والحماية قد تحتاج إلى عشيرة، وإنجاز المعاملة قد يتوقف على صلة بحزب أو صاحب نفوذ. ومع تكرار هذه العلاقة، ينسى المواطن أن ما حصل عليه حق، ويتذكر اسم الشخص الذي أوصله إليه. هنا تتحول الحقوق إلى مِنّة، ويصبح الولاء ثمناً لما يفترض أن تضمنه الدولة لمواطنيها.

فما قيمة أن يمتلك الإنسان بيتاً أو مالاً إذا كان عاجزاً عن اتخاذ موقف يحفظ به كرامته؟ فالاستقلال يُختبر حين يختلف المواطن مع الجهة التي تحميه أو توظفه أو تمنحه فرصة. عندها يتضح مقدار ما يملكه فعلاً من حياته.

كذلك سيتعلم أن السلامة في الصمت، وأن الموقف المستقل قد يكلّفه رزقه أو مكانته، وأن عليه معرفة حدود الكلام قبل معرفة الحقيقة. ومع الزمن، تصبح هذه الحسابات جزءاً من تربيته اليومية.

ثم ينصح أبناءه بتجنب الاعتراض، ويبرر تنازلاته بضرورة العيش، ثم ينقل إليهم الخوف بوصفه خبرة وواقعية. وبهذا تكتسب السيطرة قدرة على الاستمرار داخل المجتمع نفسه.

فمن يعيش تحت التهديد يحتاج إلى النجاة، ومن يعجز عن تأمين معيشته يبحث عمن يساعده. وفهم الضرورة يقتضي أيضاً فهم القوى التي تستفيد من استمرارها.

فالسياسة التي تترك الإنسان محتاجاً ثم تطالبه بالامتنان لمن يسد حاجته، تعيد إنتاج أسباب التبعية. وتصبح الأزمة أعمق عندما يفقد الانسان الثقة بإمكان تغيير هذه العلاقة، ويعتبرونها طبيعة ثابتة في مجتمعه.

والإصلاح يبدأ بإعادة الحقوق إلى أصحابها من دون اشتراط الولاء. ويحتاج ذلك إلى مؤسسات يستطيع المواطن الوصول إليها، وقضاء يحميه، وفرص عمل لا تربط مستقبله بموقفه السياسي، ومجال اجتماعي يتسع للاختلاف. كما يحتاج إلى خطاب ديني وأخلاقي يرد الاعتبار لمسؤولية الإنسان وكرامته.

فاختبار الحرية واضح: هل يستطيع الانسان أن يرفض طلب صاحب النفوذ، ويختلف مع جماعته، وينتقد من يتحدث باسمه، ثم يحتفظ بعمله وأمانه وحقوقه؟ بقدر ما يصبح ذلك ممكناً، تصبح المواطنة حقيقة في حياته.

 

 




[1] [www.thethinkingconservative.com](https://www.thethinkingconservative.com/you-will-own-nothing-and-you-will-be-happy/?utm_source=chatgpt.com)