
الوباء والعمران في بغداد:
أثر الكوارث المركبة في تشكيل الوعي العراقي...
د. مهند العلام
المقالة الأولى: الوباء قوة تاريخية.
تعيد تشكيل معنى الموت، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وحدود السلطة، ومكانة الدين والعلم.
مثّلت سنة 536 بدايةً واحدةً من أشد الفترات قسوةً في التاريخ البشري، إذ يذكر المؤرخون أنها دشنت مرحلة من الظلام والجوع حين اندلع بركان في أيسلندا، وأدى إلى تعتيم الشمس لمدة 18 شهرا، وكانت الشمس تشع ضوءاً ضعيفاً يشبه ضوء القمر مما تسبب في انخفاض درجات الحرارة بمقدار 1.5 إلى 2.5 درجة مئوية.
وبيّنت حلقات الأشجار وطبقات الجليد حدوث اضطراب مناخي شديد، بسبب انبعاث كميات هائلة من الكبريت والغبار البركاني إلى الغلاف الجوي، وأدى ذلك إلى أبرد عقد مما أدى إلى موت المحاصيل الزراعية أعقبها الجوع الجماعي في أوروبا وبلاد ما بين النهرين والصين.
وفي سنة 540 كان هناك ثوران بركاني آخر، هذه المرة في السلفادور، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الناس وانخفاض درجات الحرارة العالمية مرة أخرى.
وفي سنة 541، بدأ طاعون جستنيان في الانتشار ليضاعف آثارها في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط وقتل ما بين 35 إلى 55٪ من السكان. وتظهر السجلات الأساسية الجليدية أنه في عام 640، كان هناك ارتفاع في تلوث الرصاص في الغلاف الجوي نتيجة لزيادة تعدين الفضة، والتي تزامنت فترات الازدهار مع زيادات في انبعاثات الرصاص.
بلغ الموت الأسود ذروته في أوروبا خلال سنوات منتصف القرن الرابع عشر سنة 1349، والذي قتل ما يقدر بنحو 75 إلى 200 مليون شخص في أوروبا وأوراسيا وشمال أفريقيا.
وفي سنة 1520 انتشر الجدري في جميع أنحاء الأمريكيتين، وأسفر عن مقتل ما يقدر بنحو 90٪ من السكان الأصليين الذي يقدر آنذاك بـ 25 إلى 55 مليون شخص. وهذا الانهيار السكاني الذي وقع خلال القرن السادس عشر كان نتيجة انتشار وباء الجدري والحصبة والإنفلونزا وأمراض أخرى، إلى جانب الحرب والاستعباد والمجاعة وتفكك المجتمعات. وتؤكد الدراسات الحديثة إمكان وصول الانخفاض السكاني في أجزاء من المكسيك إلى نحو 90٪ خلال القرن السادس عشر كله.
اما في سنة 1918 فقد قتل وباء الأنفلونزا ما يقدر بنحو 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وأصيب ما يصل إلى 500 مليون شخص وتميز بارتفاع الوفيات بين الشباب البالغين، لا بين الأطفال وكبار السن وحدهم[1].
وإن أردنا فهم تاريخ الأوبئة، فلا ينبغي النظر إليها بوصفها حوادث طبية أودت بحياة الملايين فحسب؛ فالوباء قوة تاريخية تعيد تشكيل معنى الموت، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وحدود السلطة، ومكانة الدين والعلم، بل وقد تغيّر توزيع الثروة والعمل وموازين القوة بين الدول
اذ وقعت كارثة 536 قبل البعثة النبوية بنحو سبعة عقود، كما أن المصادر العربية المتعلقة لم تعلق بأثر الأزمة في الجزيرة العربية قليلة، اذ دخل الشرق الأدنى في القرن السادس سلسلة من الصراع الطويل بين الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية مع اضطرابات مناخية وزراعية وموجات متكررة من الطاعون منذ 541. والذي ادى الى تراجع سكاني واضطراب التجارة والضرائب في أجزاء من مصر والشام والعراق والأناضول.
وأسهمت هذه العوامل والأزمات مجتمعة في إضعاف بعض البنى السكانية والمالية للإمبراطوريتين وفي جعل النظام الإقليمي القديم أكثر هشاشة عشية الفتوحات الإسلامية.
جاء الموت الأسود الى العالم الإسلامي بواسطة طاعون عمواس سنة 18هـ/639م كأقدم الأوبئة الكبرى في التاريخ الإسلامي، وانتشر في بلاد الشام، وتوفي فيه عدد من كبار الصحابة والقادة، منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم.
وأنتج هذا الحدث نموذجاً مبكراً للجمع بين الاعتقاد الديني والتدبير العملي. فعندما بلغ عمر بن الخطاب خبر الوباء وهو في طريقه إلى الشام، تشاور مع المهاجرين والأنصار وكبار قريش، ثم قرر الرجوع. وعندما سُئل: "أفراراً من قدر الله؟" أجاب: "نفر من قدر الله إلى قدر الله[2]".
ومن هنا نشأ تحول فكري ظل حاضراً قروناً بين ثلاث اتجاهات: تفسير الوباء بوصفه ابتلاءً أو عبرة أخلاقية، او بحث طبي عن أسبابه الطبيعية وطرق انتقاله او في الموازنة الفقهية بين التوكل، وحفظ النفس، ومنع الضرر العام.
وبعدها غطى الموت الأسود العراق ومصر والمغرب والأندلس والأناضول عبر سنوات طويلة وقرون مختلفة. وتعرّضت بغداد والقاهرة ودمشق وحلب والإسكندرية وغزة وغيرها لموجات شديدة، ثم تكرر الطاعون كل عدة أعوام أو عقود. وكانت آثاره الفكرية والاجتماعية عميقة حين تبدّل معنى الموت، وحين حوّل الموت الجماعي الموت من تجربة فردية إلى مشهد يومي عام.
اذ امتلأت كتب التاريخ بوصف الجنائز، وعجز المغسلين والحفارين، وامتلاء المقابر، وفقدان العلماء والأطباء والحرفيين. وأصبح السؤال ليس: لماذا يموت الإنسان؟ بل كيف يمكن لمجتمع كامل أن يعيش بينما تنهار الحدود المألوفة بين الحياة والموت؟ مما دفع إلى ازدهار كتابات الوعظ والتوبة والصبر وأشراط الساعة، وأدى أيضاً إلى تدوين المشاهدات الطبية والاجتماعية بصورة أكثر دقة.
كما نشأ ما عُرف بأدب الطاعون حين وضع العلماء من المسلمين رسائل مستقلة في الوباء، جمعت الحديث والفقه والطب والتاريخ. ومن أشهرها كتاب ابن حجر العسقلاني "بذل الماعون في فضل الطاعون". ولم يكن هذا الأدب مجرد مواساة دينية، وانما محاولة للإجابة عن أسئلة عملية كمثل كيف يُفهم الوباء في ضوء الرحمة والعدل الإلهيين؟ وهل تتعارض الوقاية مع الإيمان بالقدر؟
كذلك أسهم الموت الأسود في تطور الملاحظة الطبية حين قدّم الطبيبان الأندلسيان ابن خاتمة ولسان الدين ابن الخطيب ملاحظات متقدمة عن انتقال المرض. فقد لاحظ ابن خاتمة أثر الاتصال بالمصابين، بينما حاجج ابن الخطيب بأن العدوى تثبت بالمشاهدة والتجربة وتكرار الوقائع، ولفت إلى انتقال المرض عبر الملابس والأواني والمتعلقات.
كما كان له أثر في ابن خلدون وفلسفة التاريخ، حين أصبح ابن خلدون من أبناء جيل الموت الأسود، وفقد أفراد أسرته ومعلميه في الوباء. وحين وصف في مقدمته خراب العمران في القرن الثامن الهجري، جعل الطاعون جزءاً من انهيار السكان والمدن والحِرف والتعليم.
وهذا مهم لأن الوباء لم يعد واقعة عارضة أو عقاباً منفصلاً، بل أصبح عاملاً في حركة العمران، فنقص السكان يؤدي إلى تقليل الإنتاج والطلب والضرائب، وضعف الدولة، وخراب المدن، وانقطاع التعليم والصنائع. وبذلك يدخل الوباء في تفسير تاريخي يقوم على الترابط بين السكان والاقتصاد والدولة والمعرفة.
كما ان موت العلماء والطلاب والقضاة يؤدي إلى انقطاع بعض حلقات التدريس والرواية، وخلق حاجة ملحّة إلى نسخ الكتب وحفظ الأسانيد والى إعادة توزيع الأوقاف والميراث فتحول الوقف بسببه من مؤسسة دينية الى أحد أشكال الضمان الاجتماعي في مجتمع لم تكن فيه دولة رعاية حديثة.
المقالة الثانية: الكوارث الوبائية وتحولات العمران والمعرفة.
أسهم الموت الأسود في تحولات إسلامية مختلفة، بل وتغيّرت بعض موازين القوة الاقتصادية والسياسية في ميزان القوة للعثمانيين ولدول المسلمين، اذ أدى نقص العمال في بعض المناطق إلى ارتفاع الأجور وتغير شروط العمل، واختلفت أنظمة ملكية الأرض والضرائب والعمل وقوة الدولة والمؤسسات المحلية.
حيث استمرت موجات الطاعون في الأراضي العثمانية قروناً، لم تكن الاستجابة العثمانية مجرد استسلام ديني كما صوّرتها بعض الكتابات الاستشراقية القديمة؛ بل اتخذت السلطات إجراءات لتنظيف المدن، وضبط الدفن، ومراقبة الأسواق، ونقل المصابين، وإدارة الحركة خلال الأزمات [3].
ففي القرن التاسع عشر، مع انتشار الكوليرا والطاعون وتوسع الملاحة، ظهرت المحاجر الصحية ومجالس الصحة ومراقبة الموانئ وشهادات السفر. وكانت حماية الحجاز ومواسم الحج مسألة شديدة الحساسية، لأن الحجاج كانوا يأتون من الهند وآسيا الوسطى وأفريقيا والبحر المتوسط، ثم يعودون إلى بلدانهم.
وقد أثارت إجراءات الحجر نقاشاً دينياً وسياسياً كمثل هل كان الحجر تدخلاً مشروعاً لحفظ النفس؟ وما حدود سلطة الدولة على الجسد؟ ومن يمتلك حق تعريف الهلاك الطبيب أم الفقيه أم الحاكم؟
من هنا أسهم الوباء في ولادة مفهوم حديث للدولة بوصفها مسؤولة عن صحة السكان، لا عن الأمن وجمع الضرائب وحدهما. كما جعل الطب والإحصاء والسجل الصحي أدوات للحكم والإدارة. فالتعامل العثماني مع الطاعون كان عملية معرفية وإدارية متطورة، لا مجرد موقف عقدي ثابت.
وعلى نطاق أوسع، غيّرت الأوبئة الفكر الإنساني والإسلامي، وعمّق الوباء التحول في عدة مستويات، فلم تُلغِ التفسيرات الطبية المعاني الدينية للوباء، لكنها أضافت إليها معرفة سببية تقوم على ملاحظة الهواء والماء والمخالطة والبيئة. أي تطور الفهم من البحث عن خطيئة أو علامة غيبية وغيرها من التفسيرات الدينية التي تتركز حول مفهومي الفتنة والعقوبة، إلى السببية كدراسة الهواء والماء والمخالطة والحيوان والجراثيم والبيئة والنظام الاجتماعي.
كذلك دفع الموت الجماعي الإنسان إلى إعادة التفكير في العمل والعائلة والزمن والعدالة. ولماذا يموت الفقراء بشكل أكبر؟ ومن له الحق في الحصول على العلاج أولاً؟ وهل التضامن واجب أخلاقي أم ضرورة مصلحية؟ وهل يمكن بناء مجتمع يجعل حفظ الحياة مقدماً على الربح والقوة السياسية؟
كشفت الخبرات الوبائية في مجتمعات مسلمة متعددة أن صحة الفرد لا تنفصل عن سلوك الآخرين، ومن هنا نشأت مشروعية الحجر والتطعيم والتبليغ الصحي، وكذلك السؤال الأخلاقي الاصعب عن حدود حرية الفرد عندما يهدد سلوكه المجتمع، فأصبح الطب جزءاً من الدولة، وتراكمت عبر القرون إجراءات متفاوتة، من تقييد الحركة والعزل إلى ظهور المجالس الصحية والتطعيم والسجلات والمختبرات والرقابة الحدودية، والتطعيم، وشبكات المياه والصرف الصحي في العصر الحديث.
ومع هذا فكل وباء كبير يكشف أن التقدم العلمي لا يلغي هشاشة الإنسان والمجتمعات وان كانت متقدمة، فقد أظهرت جائحة كوفيد-19 أن المجتمعات المتقدمة تقنياً يمكن أن تصاب بالخوف والعزلة واضطراب المعرفة وانتشار الشائعات. خاصة بعد ظهور العزل المنزلي والذي وتُنسب إلى ابن سينا رواية انه ابتكر عزل المصابين مدة أربعين يوماً، وسمّاه "الأربعينية".
وهنا تكمن أهمية ابن سينا في أنه وضع الوباء داخل نظام سببي شامل، فالمرض عنده لم يكن حدثاً غيبياً منفصلاً عن الطبيعة، بل ظاهرة يمكن للطبيب أن يلاحظ شروطه، ويصنف أعراضه، ويقارن بين المصابين، ويبحث عن وسائل الوقاية منها.
ولم ير ابن سينا أن دراسة الأسباب الطبيعية تناقض الاعتقاد الديني؛ لأن الأسباب الطبيعية جزء من النظام الذي يعمل به العالم. وقد عزز هذا التصور داخل الفكر الإسلامية شرعية البحث الطبي، فالإيمان بأن المرض داخل في القدر لا يعني إهمال الأسباب التي يمكن بها الوقاية والعلاج، ففي لحظة الوباء يظهر معنى الجسد، وحدود الحرية، وطبيعة السلطة، ووظيفة العلم، وصورة الله، ومفهوم التضامن.
وفي التجربة الإسلامية لم تكن العلاقة بين الدين والطب علاقة صراع بسيط. فقد اجتمعت مفاهيم القدر والابتلاء والشهادة مع قواعد عدم الإضرار، ومنع الدخول إلى الأرض الموبوءة أو الخروج منها، والملاحظة الطبية للعدوى، وإدارة الدولة للصحة. وكان الخلاف الحقيقي غالباً متعلقاً بكيفية التوفيق بين النص والتجربة، وبين الحرية والمصلحة العامة، وبين التوكل واتخاذ الأسباب.
ولذلك يمكن القول إن أعظم أثر فكري للوباء هو أنه نقل الإنسان مراراً من وهم السيطرة الكاملة إلى إدراك الترابط، اذ لا يستطيع الفرد ان يعيش منفصلاً عن المجتمع، ولا تنفصل صحة الإنسان عن الاقتصاد والسياسة والبيئة والأخلاق، ولا يستطيع العلم وحده أن يمنح الموت معنى، وإن كان قادراً على منع كثير منه.
وكانت بغداد مثالاً واضحاً على هذا الترابط؛ فالنظام المائي والتجاري الذي صنع ازدهارها حمل أيضاً شروط هشاشتها عند الحرب أو ضعف الدولة. فالبيئة المتدهورة توسع شروط المرض، ثم يعمق المرض تدهور البيئة.
ويمكن اتخاذ بغداد نموذجاً لبيئة مزدهرة مولّدة للأزمات، وكانت تعتمد على نظام بيئي مركب من مياه دجلة وفروعه والسدود والقنوات وشبكات الري والحقول المحيطة بالمدينة. ففي أوقات الاستقرار، جعل هذا النظام بغداد مركزاً للتجارة والمعرفة. لكن هذه العناصر نفسها تحولت عند الحرب أو ضعف الدولة إلى وسائل لنشر الكارثة، اذ حملت السفن والقوافل الحبوب والناس، وقد تحمل معها نواقل العدوى ومسببات المرض ايضا. كما ان الحصار يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ونفاد الطعام. ويؤدي إلى الجوع ضعف المناعة. كما يؤدي تعطل القنوات إلى ركود المياه أو ملوحة الأرض. وتؤدي الفيضانات إلى اختلاط المياه بالفضلات والجثث. ويؤدي الموت الجماعي إلى نقص الأطباء والحرفيين والمزارعين وعمال الري. كما يؤدي نقص العمال إلى مزيد من تدهور البيئة والإنتاج.
وهذه دائرة تاريخية؛ فالبيئة المتدهورة توسّع شروط المرض وانتشاره، ثم يزيد المرض البيئة تدهوراً، فيصبح الوباء شأناً عاماً، ولن يعد الطب علاقة خاصة بين الطبيب والمريض؛ بل يصبح جزءاً من طريقة الدولة في معرفة السكان وتنظيم حركتهم وحماية حياتهم..
المقالة الثالثة: طاعون وسقوط بغداد والكوارث المركبة وتحول الدولة والمعرفة
حاصر ودمر المغول بغداد سنة 656هـ/1258م، ولكن لم تكن الكارثة عسكرية او سياسية او دينية فحسب، بل أدى الحصار إلى الانهيار البيئي وتوقف قسم كبير من حركة الطعام والتجارة، ثم جاء بعدها القتل الواسع وتدمير أجزاء من المدينة وتعطل الإدارة، ولم يكن ما أصاب بغداد فقداناً للكتب وحدها، بل كان انقطاعاً بشرياً للمعرفة نفسها. فالمعرفة لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها الجماعات والمؤسسات وسلاسل التلقي.
وأعقبت الحصار موجة وبائية قاسية؛ إذ تصف الروايات تراكم الجثث وفساد الهواء وتلوث المياه وانتشار الأمراض بعد انتهاء القتل، وفي مدينة تعتمد على النهر والقنوات، فموت عمال الري وتخريب الجسور والسدود والقنوات يعني أن آثار الحرب ستستمر بعد انسحاب الجيوش.
اذ تعطلت أجزاء من شبكات الري وتراجعت المساحات المزروعة فنقصت عائدات الدولة وضعفت القدرة على إصلاح القنوات، وهكذا انتقلت الكارثة من المدينة إلى الريف، ثم عاد تدهور الريف ليضرب المدينة عن طريق نقص الغذاء وارتفاع الأسعار.
بعد دخول جيوش المغول، أعقبت الحصار موجة وبائية شديدة، يرى بعض الباحثين أنها اتصلت بانتشار الطاعون عبر آسيا، مع بقاء طبيعة الوباء موضع نقاش تاريخي، عرفت بغداد أزمة صحية وبيئية شديدة، وأدى موت العلماء والنسّاخ والأطباء والقضاة والطلاب وأهل الإدارة، وانقطاع سلاسل التعليم، وهجرة من استطاع النجاة وتوقفت حلقات التدريس وضعف سوق الورق والنسخ والوراقة وانهارت موارد بعض المدارس والأوقاف الى ما يمكن تسميته بالانقطاع البشري للمعرفة[4]؛
اذ كانت الحياة العلمية في بغداد تعتمد على شبكة من الخلفاء والوزراء والأوقاف والمدارس والمكتبات والبيمارستانات. وعندما انهارت الدولة العباسية، لم تختفِ المعرفة الإسلامية، وانما أعاد توزيع الحياة الفكرية في العالم المسلم.
وعندما انهارت الدولة العباسية كان سقوط عاصمة الخلافة صدمة فكرية كبرى بانهيار مركزاً ظل قروناً رمزاً لوحدة الإسلام وسلطانه ومعرفته، لكن لم تختفِ المعرفة الإسلامية، وإنما أُعيد توزيع مراكز الحياة الفكرية في العالم الإسلامي، مما ولد تساؤلات كمثل هل القوة السياسية ضمان لاستمرار الحضارة؟ وهل الخراب نتيجة ضعف أخلاقي، أم خلل سياسي وعسكري؟ وكيف تُحفظ المعرفة عندما تنهار الدولة؟ وهل التاريخ هو تقدم مستمر، أم دورات من العمران والخراب؟
ثم بلغت موجات الموت الأسود في العراق في منتصف القرن الرابع عشر 1348–1349، وتذكر المصادر إصابة الموصل وبغداد ثم عودة الطاعون في موجات لاحقة، فقدت فيها المدينة جزءاً كبيراً من سكانها ومكانتها بعد الغزو المغولي وجاء الوباء ليضرب مجتمعاً لم يكتمل تعافيه.
ويمثل طاعون وفيضان بغداد سنة 1831 أوضح مثال على اجتماع الوباء والبيئة والسياسة في تاريخ بغداد الحديث حين شهدت أربع كوارث متزامنة.
اذ بدأ الطاعون بالانتشار في بغداد ومحيطها، بعد الفيضان وكانت المدينة تعاني ضعف الإدارة والحصار والاضطراب السياسي الناجم عن الصراع بين والي بغداد داود باشا والدولة العثمانية. ثم حدث فيضان شديد في دجلة، فانهارت أجزاء من الأسوار والمنازل، وغمرت المياه أحياء واسعة، مع ما صاحبها من نقص الطعام وارتفاع الأسعار، وتختلف التقديرات التي تذكر بين موت أكثر من نصف سكان المدينة، وبين ما يقدر إلى الثلثين. فتركت العائلات بيوتاً كاملة، وظهر الأيتام في الطرق، وتعطلت الأسواق، وصعب دفن الموتى، وهجرت المتاجر وتوقفت التجارة وتراجعت سلطة الإدارة خلال موجات الوباء.
أسهم الطاعون والفيضان في إنهاك حكم داود باشا آخر حكام المماليك في بغداد، وإضعاف قدرة المدينة على مقاومة الجيش العثماني، فتعجّلت نهاية الحكم المملوكي المحلي، وعادت بغداد إلى الإدارة العثمانية المباشرة.
وهكذا لم يغير الوباء عدد السكان فقط؛ بل غيّر شكل الدولة. وتحولت الكارثة الطبيعية إلى فرصة لإعادة بناء السلطة السياسية، وكشف الطاعون ضعف جميع الفئات، اذ استطاع بعض الأغنياء مغادرة المدينة. وبقي الفقراء في الأحياء المزدحمة كذلك فقدت أسر ثروتها بسبب موت الورثة أو ضياع الممتلكات ونشطت السرقات مع انهيار الأمن وتعطلت شبكات التكافل بسبب موت الأسر كاملة وتم تغير توزيع الملكية والمكانة الاجتماعية.
كما أثر طاعون 1831 في الفكر البغدادي اذ تحول الوباء بوصفه ابتلاءً وقدراً ليضيف إليه تدريجياً فهمٌ إداري يرى الوقاية وحفظ النفس مسؤولية عامة بوصفه مشكلة إدارية، فالتفسير الديني عادة ما يكون حاضراً بقوة، كالدعاء، والتوبة، والصدقة، واعتبار الطاعون ابتلاءً والشهيد فيه مأجوراً.
لكن تكرر الأوبئة، ولا سيما الكوليرا في القرن التاسع عشر، دفع الدولة والعلماء والأطباء إلى الاعتراف بأن هذا التفسير وحده لا يمنع المرض ولا يزيله. فبدأ التفكير ينتقل إلى أسئلة عملية كمثل هل تستطيع الدولة تقييد الحركة من أجل المصلحة العامة؟ وهل الحجر الصحي مشروع أم تدخل أجنبي؟ مما أسهم في نشوء تركيب فكري جديد يزاوج بين التفسيرين العلمي والغيبي، فنشأ تفسير ان الوباء داخل في القدر، لكن حفظ النفس يوجب الوقاية، وظهر مفهوم الصحة العامة.
وأدت أوبئة القرن التاسع عشر إلى تطور المحاجر الصحية ومراقبة الحدود والموانئ وتسجيل الإصابات والوفيات والتنظيم البلدي كالاهتمام بنظافة الأسواق وإصلاح المياه والصرف ومراقبة حركة المسافرين وتم توسيع سلطة الطبيب والموظف الصحي، وهذا يعد تحول فكري كبير؛ لأن المرض لم يعد شأناً خاصاً بين المريض والطبيب، بل أصبح شأناً سياسياً بين السكان والدولة.
وظهر نوع جديد من المعرفة هو تحويل الحياة والموت إلى أرقام وخرائط وسجلات. وهذه المعرفة تفيد في الوقاية، لكنها تمنح الدولة أيضاً قدرة أكبر على مراقبة السكان وتنظيم حركتهم.
المقالة الرابعة: الذاكرة الوبائية وتشكّل الوعي العراقي المعاصر.
لم تؤثر البيئة البغدادية في الوباء فقط بل غيّر الوباء البيئة نفسها. اذ ولّدت الكوارث في بغداد عدة أنماط من الخطاب الديني الذي يركز على الابتلاء، والتوبة، والصبر، والصدقة، والدعاء، وحرمة الفرار الذي يعرّض المجتمعات الأخرى للمرض، مقرونا ببحث طبي في فساد الهواء والماء، والأغذية، والفصول، واستعداد الأبدان، ثم أخذ يتجه نحو العدوى والحجر والنظافة والإحصاء مع ما يجمعها من تصوّر المدينة جسداً حياً يمرض ويشيخ ويُبعث من جديد.
وأصبحت بغداد رمزاً لفكرة أن الحضارة، مهما بلغت قوتها، يمكن أن تنهار إذا فقدت توازنها السكاني والبيئي والأخلاقي والسياسي، ومن هنا تحولت الكتابة التاريخية من تسجيل أسماء الحكام والحروب إلى وصف الأسعار والموتى والجوع والفيضانات والأسواق والأيتام وانهيار الحياة اليومية.
تجربة بغداد دلت على أن المجاعة والوباء والطاعون ليست عوامل خارجية تضرب الحضارة ثم تنصرف، بل قوى تدخل في تكوين الفكر نفسه، ففي بغداد حوّلت الحرب البيئة الخصبة إلى بيئة هشة أدت الى تعطل الري ثم إلى المجاعة والهجرة. وزاد الجوع قابلية السكان للمرض، وأدى فقدان البشر إلى مزيد من تدهور الري والعمران ونقل سقوط المؤسسات مركز المعرفة إلى مدن أخرى.
كما غيّر طاعون 1831 النظام السياسي وساعد تكرر الأوبئة على ظهور الإدارة الصحية والإحصاء والحجر، وأعاد الفكر الديني صياغة العلاقة بين القدر واتخاذ الأسباب، ومشف المرض أن خراب المعرفة يبدأ أحياناً من خراب الماء والغذاء والجسد.
اذ لم يكن تراجع بغداد الفكري نتيجة إحراق الكتب وحده، بل نتيجة اختلال البيئة التي تجعل الكتاب ممكناً، فالماء الذي يطعم المدينة، والفلاح الذي ينتج غذاءها، والحرفي الذي يصنع ورقها، والناسخ الذي يحفظ نصوصها، والعالم الذي يشرحها، والدولة التي تحمي مؤسساتها.
وعندما يجتمع الحرب والمجاعة والطاعون والفيضان، لن تُهدم الأبنية فحسب، بل تتضرر السلسلة البشرية والمادية التي تنتج المعرفة وتنقلها. ومع ذلك لم تمت بغداد فكرياً؛ فقد أعادت بناء نفسها مراراً، لكن بوظائف ومؤسسات ومراكز قوة جديدة.
ولكن السؤال الأعمق لن يكون كيف أثّر الوباء في الفكر العراقي، بل أيُّ نوع من الإدراك يصنعه مجتمعٌ يتكرر فيه التهديد، حين لا تأتي الكوارث فيه منفردة، بل مصحوبة بالحرب والمجاعة والفيضان وانهيار الدولة؟
الانسان المهاجر والساكن في العراق بعد الكوارث لا يحمل طبيعة نفسية ثابتة، وانما طبيعة ورثها من الطاعون؛ فالأفكار لا تنتقل عبر الدم، وإنما تنتقل عبر الذاكرة العائلية، والأمثال، والطقوس، والمؤسسات، وعلاقة الناس بالدولة، والخبرات المتكررة مع فقدان الأمن والماء والغذاء.
كما أن أثر حروب القرن العشرين والحصار والعنف بعد 2003 أقرب زمنياً وأقوى مباشرةً من أثر الموت الأسود. لكن الأزمات الحديثة عملت فوق طبقات أقدم من الذاكرة، فأعادت إنتاج بعض أنماط الإدراك التاريخية، وجعلتهم يتحولون من صدمة الوباء إلى وعي الكارثة الدائمة.
في المجتمعات المستقرة يُدرك الوباء بوصفه استثناءً يقطع الحياة الطبيعية. أما في التجربة العراقية، فكثيراً ما جاء الوباء ضمن سلسلة.. فيضان، ثم تلف محصول، ثم غلاء، ثم جوع، ثم مرض، ثم اضطراب سياسي أو حرب. ولهذا لا توجد عند العراقي حدودا واضحة بين ما هو طبيعي وبين ما هو استثنائي، فالخطر الذي يتكرر يتحول من حادث طارئ إلى أفق دائم للحياة.
وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بالإدراك الكارثي، وهذا ليس بمعنى التشاؤم المطلق، بل بمعنى أن الفرد يتعلم أن النظام قد ينهار فجأة، وأن الماء قد ينقطع، والسوق قد يُغلق، والعملة قد تفقد قيمتها، والدولة قد تعجز، وأن عليه أن يبحث سريعاً عن بدائل عائلية ومحلية.
وهذا الإدراك أنتج صفتين متعارضتين، قدرة مرتفعة على التكيف والارتجال، وضعف وفقدان بالثقة في التخطيط طويل المدى، فالعراقي الذي خبر أزمات متكررة قد يكون أكثر قدرةً على تدبير يومه في الفوضى، لكنه أقل استعداداً لتصديق وعود المؤسسة عن المستقبل.
وهنا تغير إدراك الزمن عنده، فالوباء لا يهدد الجسد فقط؛ بل يغير إحساس الإنسان بالزمن، فالزمن عنده قصير وعندما تتكرر المجاعة والوباء والحرب، يفقد المستقبل شيئاً من صلابته. ويصبح القرار العقلاني، بالنسبة إلى الفرد، هو حماية الحاضر من خلال تخزين الغذاء والدواء والاحتفاظ بالنقد أو الذهب وتفضيل المنفعة المباشر، والاعتماد على الأقارب، والهجرة عند ظهور اية فرصة آمنة.
وهذه التصرفات قد تبدو لمن يعيش في مجتمع مستقر تعبيراً عن ضعف التخطيط، لكنها داخل بيئة غير مستقرة قد تكون عقلانية تماماً. فمن شاهد قوانين وأنظمة وعملات ومؤسسات تتغير مراراً، لا يستطيع التعامل مع المستقبل كما لو كان امتداداً مضموناً للحاضر.
كما ان هناك أيضاً إدراك دوري للأزمة، فالعراق لا ينتقل نهائياً من الخراب إلى الاستقرار، بل يدخل في دورات من البناء والانهيار. وهذا قريب من تصور ابن خلدون للعمران، لكنه في الوعي الشعبي يتحول إلى شعور بأن كل ازدهار مؤقت، وكل نظام معرض للسقوط.
ولهذا يجتمع في الوعي العراقي الحنين إلى ماضٍ عظيم مع الشك في المستقبل. فبغداد هي مدينة الرشيد والعلم والترجمة، وهي في الوقت نفسه مدينة السقوط والفيضان والطاعون والاحتلال، وصورتها الذاتية مشدودة بين مركز العالم ومدينة الخراب المتكرر.
في العالم عادة ما تحتاج مواجهة الوباء إلى ثقة عامة، أي أن يصدق المواطن الطبيب، وأن يثق بأن الدولة تقول له الحقيقة، وأن يلتزم الآخرون بالإجراءات نفسها. لكن التاريخ العراقي قدّم مراراً خبرة مختلفة؛ فقد كانت الدولة أحياناً عند العراقي عاجزة عن حماية الناس ومتأخرة في إعلان الكارثة وحاضرة بالعقاب أكثر من حضورها بالخدمة وغير عادلة في توزيع العلاج والغذاء وخاضعة لصراعات داخلية أو تدخلات خارجية، ولذلك انتقل مركز الثقة من المؤسسة المجردة إلى الشخص المعروف كطبيب العائلة، او عند قريب يعمل في المستشفى، او عند رجل دين موثوق او صيدلي الحي، او عند شيخ العشيرة أو وجيه المنطقة او عند مجموعة الأقارب على وسائل التواصل، وهنا يتشكل نمط معرفي عندهم ان صحة الخبر لا تُقاس بمصدره فقط، بل بعلاقة المتلقي بمن ينقله.
فقد يصدر بيان علمي عن وزارة ما، لكنه يُقابل بالشك. وقد تنتشر معلومة غير دقيقة لأنها جاءت من شخص موثوق اجتماعياً. ولذلك كانت الاستجابة الفعالة في العراق لأمراض مثل الحمى النزفية تعتمد على إشراك الأطباء المحليين ورجال الدين والشخصيات المجتمعية، لا على البيانات الحكومية وحدها، وهذه ليست عداوة عراقية للعلم؛ بل نتيجة تاريخية لانفصال المعرفة الرسمية عن الثقة الاجتماعية.
كذلك لا يفسّر العراقي المعاصر الوباء من خلال منظومة واحدة، فقد تجتمع في وعي الشخص نفسه تفسيرات مختلفة منها ما هو تفسير طبي كفيروس أو بكتيريا وانتقال وعدوى. ومنه ما هو تفسير ديني كالابتلاء أو الامتحان أو الدعوة إلى التوبة، او تفسير سياسي كتقصير حكومي أو تلاعب بالمعلومات، او تفسير تآمري كالمرض مصنوع أو مستعمل لتحقيق غرض سياسي او مؤامرة.
وهذه التفسيرات لا يلغي بعضها بعضاً بالضرورة، فقد يؤمن الفرد بأن المرض فيروس حقيقي، وأنه في الوقت نفسه ابتلاء إلهي، وأن السلطة أيضاً أساءت إدارته، وهذا التركيب ليس تناقضاً في ذهنه فحسب؛ بل ان المشكلة تبدأ حين يتحول التفسير الديني أو السياسي إلى إنكار للسبب الطبي؛ كادعاء أن المرض لا يدخل مكان العبادة، أو أن العلاج لا ضرورة له.
وكثيراً ما يُقال إن الأوبئة أورثت العراقيين أو المسلمين القدرية، وهذا توصيف سطحي؛ لأن الإيمان بالقدر يمكن أن ينتج سلوكين متعاكسين، بين القدرية السلبية كأن لا يقع إلا ما قدّر الله، وكل إنسان سيموت في يومه، وبين القدرية الفاعلة كحفظ النفس مقصد شرعي، وهنا الصراع ليس بين الدين والعلم، بل بين فهم من يعفي الإنسان من المسؤولية وفهم من يجعل المسؤولية جزءاً من الإيمان، وتكشف التجربة العراقية وجود الفهمين معاً.
كذلك تزداد في الثقافة العراقية مسألة تغيّر إدراك الجسد، ففي الفكر الطبي الحديث، الجسد ملك للفرد، لكن الوباء يكشف أن الجسد اجتماعي أيضاً؛ فتنفس الإنسان ولمسه وحركته يمكن أن تؤثر في حياة الآخرين، فزيارة المريض والمشاركة في الجنازة واجبان اجتماعيان، والعناق والمصافحة والطعام المشترك علامات انتماء ثم جاء العزل الصحي ليصطدم بهذه البنية ليبدو اجتماعياً الابتعاد عن المريض وعدم إقامة جنازة كبيرة كالتخلي عن القريب أو حرمان الميت من حقه، ومن هنا لم تكن مقاومة العزل دائماً إنكاراً للعلم، بل دفاعاً عن معنى القرابة والوفاء. والمشكلة أن الفضيلة الاجتماعية في الظروف العادية قد تتحول أثناء الوباء إلى وسيلة لنقل العدوى
كذلك فان تعرض العراق خلال تاريخه الحديث للحرب والحصار والتفجيرات والنزوح والأوبئة والتي تؤدي الى تكرر صور الموت إلى ما يشبه التطبيع النفسي معه، فيصبح خبر الوفاة جزءاً من الحياة اليومية، وتتطور لغة مختصرة لاستيعابه.
لكن الاعتياد الظاهري لا يعني غياب الصدمة. بل قد تكون النتيجة حزناً مؤجلاً او قلقاً مزمناً او مبالغة في حماية الأبناء او خوفاً من المستشفيات او حساسيةً عالية تجاه الشائعات او حتى شعوراً بأن الموت يمكن أن يأتي من أي جهة.
وهنا نشا عند العراقيين ما يسمى بالسخريةً السوداء التي تستخدم لمقاومة الخوف، فالسخرية العراقية في مواجهة الكارثة ليست دليلاً على اللامبالاة، بل آلية نفسية لإعادة امتلاك موقف لا يستطيع الفرد التحكم فيه. فحين يحوّل الإنسان الخطر إلى نكتة، فإنه ينقله مؤقتاً من موقع القوة المطلقة إلى موضوع يستطيع الكلام عنه.
اما بالنسبة الى الهوية العراقية فقد حول الوباء المواطنة العامة إلى العشيرة او الطائفة الخاصة كشبكة للنجاة الخاصة، فعندما تفشل المؤسسة العامة، يلجأ الفرد إلى العائلة والعشيرة والطائفة والحي. وخلال الوباء تستطيع هذه الشبكات توفير المال والطعام والدواء ورعاية الأيتام ودفن الموتى، وهذا مصدر تفرقة وعدم استقرار حقيقي في المجتمع العراقي. اذ جعل التضامن محصوراً في الدائرة القريبة. فيصبح السؤال كيف أنقذ عائلتي؟ لا كيف احمي المدينة؟
فالوباء لا يمكن احتواؤه بمنطق الجماعات المنفصلة؛ لأن العدوى تعبر حدود العائلة والطائفة والطبقة، لذلك يفرض الوباء مفهوماً أوسع للأخلاق لا يدركه الفرد العراقي اليوم.
كذلك امتلك الوباء في العراق اليوم إمكانية إنتاج وعي عند المواطنين بان أكثر ما يهمهم اليوم الماء النظيف، والمستشفى، والصرف الصحي، والهواء ووو كمنافع عامة لا يمكن تقسيمها طائفياً أو عشائرياً.
ففي بغداد لا يمكن فصل الوباء عن الماء. فالنهر ليس مشهداً طبيعياً فقط، بل مرآة للدولة. وعندما تصل مياه غير مأمونة إلى المنزل، يدرك المواطن أن المرض نتيجة سلسلة سياسية، ولهذا تطور الإدراك البيئي العراقي من الخوف من الفيضان إلى الخوف من ندرة الماء وتلوثه وملوحته.
اذ كان دجلة قديماً مصدر الخصب والخطر معاً؛ أما اليوم فأصبح أيضاً مقياساً للسيادة وكفاءة الدولة والعدالة بين المحافظات.
الوباء لم يورث العراقيين خوفاً من المرض فحسب، بل أسهم، مع الحروب والمجاعات والفيضانات، في إنتاج إدراك مخصوص لهشاشة النظام. فالمستقبل في هذا الإدراك ليس وعداً مستقراً، والدولة ليست دائماً حامياً موثوقاً، والمعرفة لا تُقبل بسبب صفتها الرسمية وحدها، بل بقدر ما تمر عبر شخص أو جماعة موثوقين. ولذلك ازدهرت شبكات النجاة العائلية والمحلية، كما ازدهرت إلى جانبها الشائعة والتفسير التآمري والبحث عن معنى ديني للموت.
غير أن هذه الخبرة لم تنتج القدرية وحدها؛ بل أنتجت أيضاً قدرة عالية على التكيف والتضامن والمبادرة. فالعراقي لا يقف أمام الكارثة ساكناً بالضرورة، وإنما يعيد بناء الحياة من الموارد المتاحة حين تغيب المؤسسة. وتكمن المعضلة في أن هذه المرونة، على ضرورتها، قد تساعد النظام الضعيف على الاستمرار؛ إذ يتحمل المجتمع وظائف كان ينبغي أن تقوم بها الدولة.
ومن ثم فإن الأثر الأعمق للوباء في الفكر العراقي اليوم يتمثل في الصراع بين منطقين: منطق النجاة الخاصة الذي يعتمد على الأسرة والعشيرة والطائفة والمعرفة الشخصية، ومنطق الصحة العامة الذي لا ينجح إلا بالثقة بالمؤسسات والتعاون مع الغرباء. ومستقبل الوعي الصحي والمدني في العراق مرتبط بالانتقال من مجتمع بارع في النجاة من الكارثة إلى دولة ومجتمع قادرين على منعها قبل وقوعها.
[1] لكن أثره في منطقتنا تداخل مع الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية والمجاعات والنزوح والحصار. ففي بلاد الشام والعراق والأناضول وإيران لم يكن من السهل التمييز بين الوفاة بالإنفلونزا والوفاة بالجوع أو الأمراض الأخرى. ولهذا ظل الوباء ضعيف الحضور في الذاكرة العامة مقارنة بالحرب والاحتلال وسقوط الدولة العثمانية.
[2] تكشف هذه الحادثة عن فكرة مهمة في الفكر الإسلامي: الإيمان بالقدر لا يلغي السببية ولا يعفي الإنسان من الاحتياط. وأسست الأحاديث النبوية المتعلقة بالطاعون لقاعدة تشبه العزل المكاني: ألا يدخل الإنسان أرضًا وقع فيها الطاعون، وألا يخرج منها فرارًا منه. كما منحت المتوفى بالطاعون منزلة الشهيد، وهو ما ساعد المجتمعات المنكوبة على منح الموت الجماعي معنى دينيًا وأخلاقيًا.
[3]THE OTTOMANS DURING THE GLOBAL CRISES OF CHOLERA AND PLAGUE: THE VIEW FROM IRAQ AND THE GULF, Published online by Cambridge University Press: 13 Nov 2019, Isacar A. Bolaños.
[4]Plague and the Fall of Baghdad (1258), Nahyan Fancy 1,*, Monica H Green, https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8663044/