من الإيمان إلى الأيديولوجيا: الدين بين الحقيقة والوظيفة

من الإيمان إلى الأيديولوجيا: الدين بين الحقيقة والوظيفة

د. مهند العلام

 31/12/2025 

بعد الحرب العالمية الأولى ونهاية الدولة العثمانية اجتاحت العالم موجات من الحركات والأفكار الاصلاحية وطلب الناس أنظمة جديدة في الفكر والحكم والعيش بطريقة مخالفة لما كانت. 

ولم تكن تغيير آلية التفكير تلك كعملية تقنية يُجاب عنها بنصائح وشعارات تحديثية سهلة فحسب، بل تحوّل أخلاقي وتاريخي معقّد مرتبط بمشكلة النص الديني وبكثرة التدين مع غياب العقل فتغيّرت آليات التعامل معها وُوجِّه العقل الذي يشتغل داخل الدين الى داخل قوالب مغلقة آلية التفكير الديني الجديدة كانت عبارة عن مجموعة من القواعد غير المعلنة التي تحكم فهم النص وامتلاك حق التفسير ومرتبطة بمرجعية معرفية مغلقة وبسلطة رمزية غير قابلة للمساءلة وبخلط مقصود ما بين المقدس والتاريخي وبخوف وجودي من الشك. 

فتم التغيير فعلياً لا نظرياً وكسر وهم الاكتمال واصبح التفكير الديني يعمل على فرضية خطيرة مفادها: لقد فُهم الدين كاملاً، وما بقي إلا التطبيق... هذه الفرضية التي قتلت خلال قرن من الزمان أي تفكير منتج حين الغت حقيقة ان الفهم البشري هو فهم نسبي وان محاولات فهم ومحاولة إعادة التراث لا تعتبر تجسيداً للحق المطلق. وكانت نتيجة ذلك ان ضعفت السلطة واُربكت الهويات الصلبة ولم يعد هناك من فرق ما بين الدين وما بين التدين أي ما بين الدين كخطاب متعالٍ وما بين التدين كممارسة بشرية تاريخية وقامت آلية تفكير ديني جديدة متصلبة قامت على دمج الاثنين[1]. 

فساد التفكير الديني المأزوم الذي لا يخاف الله بقدر ما يخاف من الشك والسؤال وفقدان اليقين وانهيار المعنى انتج فتاوى قمعية لا طاقة للإنسان بفعلها ويقيناً عدوانياً وثنائية مخيفة هي ثنائية الإيمان والكفر[2]، وانتقل مركز الثقل من النص إلى المقاصد ونظريتها المعروفة في محاولة لقراءة النص داخل أفق إنساني وعدم مساءلة نتائجه الأخلاقية والاجتماعية مما انتج هذا الفكر ظلماً وابرز قهرا واقصى المختلف، مما أدى الى فشل ديني رغم استناده إلى النصوص.[3] 

هذا العمى في تغيير آلية التفكير الديني كلفنا غاليا وكثيرا في موقعنا بين العالم أو بين الجمهور أو في شعورنا بالانتماء وحتى بسلامتنا النفسية ودفعنا ثمنا باهضا بحيث اصبحنا كمن يريد إصلاح البحر دون أن تبتل قدماه. 

هذا العمى جعلنا نبدل ديننا من قوة تحرير معرفي وأخلاقي الى أداة ضبط اجتماعي وخوف، مما افقدنا أي شجاعة فكرية او أي استعداد للخسارة او حتى أي قبول خلّاق[4]. 

ان تغيير آلية التفكير ليست مطلبا بسيطا او سهلا، بل مسالة في غاية الخطورة والصعوبة لأنها تعتمد بشكل اساسي على المساس بالجذور والاصول وهذا غير مسموح به تماما... 

فالجذور التي لا يُسمح بالمساس بها ليست نصية فقط، بل هي مرتبطة ارتباطا ثابتا بكيفية تصورنا للحقيقة وبكيفية معرفتنا وحتى بمن يحكم باسم من[5]. 

ولنكن صريحين القواعد التي تحكم الية التفكير السائدة تتعلق بكيفية فهم النص وبمن يملك حق التفسير وما هي الاسئلة المشروعة ممن سواها؟ ولان معرفتنا الدينية معرفة مغلقة فان هناك سلطات رمزية غير قابلة للنقد مع وجود خلط بين ما هو اعتقادي وبين ما هو تاريخي ... 

ان تغيير آلية التفكير الديني ليس مشروعاً جماهيريا ً، بل هو نخبوّي في بدايته وبطيء ومحفوف بالخسارات ومن الخطأ تسويقه بوصفه إصلاحاً أو تحديثاً أو توفيقاً لكنه إعادة تأسيس مؤلمة[6]. 

وهذا التغيير ليس شعاراً أخلاقياً، بل شرطاً معرفياً يهزّ أساس الدين السائد الذي نعرفه اليوم، دين يتحمّل الحقيقة كعملية كشف مستمر، كاشفا للمعنى وليس حارسا للنظام. فالدين الذي لا يحتمل الحقيقة يتحوّل إلى أيديولوجيا[7]،

 وهذا ما كان طوال القرن العشرين وما نعيشه اليوم، فسحبت القداسة من الإيمان ذاته الى النسق المغلق المعروف، وهذا يعني القبول بتآكل بعض التصورات العقدية وانهيار لبعض السرديات التاريخية وفقدان لبعض السلطات الرمزية لائمة الدين وشرعيتهم.  

والدين ليس نصاً فحسب، بل استجابة وجودية، أي ليس بوصفه مجموع نصوص، بل باعتباره استجابة كونية لحاجة الإنسان إلى التفسير والأمان، فالدين هنا حاجة إنسانية مفتوحة لا منظومة مغلقة. وحين ينتقل الدين من أفق الحقيقة إلى أفق الوظيفة يتحول الى أيديولوجيا بوصفه يقين يُقدَّم مكتملاً ويُمنع من اختباره ويُربط دائما بالهوية والولاء مع استخدامه للإقصاء. 

فالأيديولوجيا اذن هي تحوُّل الدين من أفقٍ مفتوحٍ يُقاس به الصدق إلى يقينٍ مُغلق يُستخدم لأداء وظيفة كضبط الجماعة وتثبيت الهوية وشرعنة السلطة. أي ان الدين مُمتلك ومُكتمل ومُعرَّف سلفًا ويُمنع اختباره ويُستخدم ويُنتقى ويُعاد صياغته ليكون ملائما دائماً وغير مهدِّد وخادم للنظام. وتاريخياً يتحوّل الدين فعلياً إلى أيديولوجيا عند ظهور السلطة واحتكارها الحقيقة لا بوصفها هداية، بل بوصفها ملكية، ثم حين يتم تحويل الإيمان إلى هوية سياسية حينها يصبح السؤال خيانة، والاختلاف تهديداً، وحينما يحوّل الإيمان من سؤال وجودي إلى إجابة نهائية، لا يعود ديناً بالمعنى المعرفي، بل ينزلق إلى أيديولوجيا وظيفية. 

يقول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ..}[8] وهؤلاء كفروا بالله حين حولوا الدين الى أيديولوجيا وظيفية اذ قبلت المسيحية تثليثاً فلسفياً معقّداً لحماية الجماعة، واليهودية حين أعادت بناء الشريعة بعد السبي الثلاثي لضمان البقاء[9].  فكان الثمن تجميد المعنى وتم تقديس التاريخ وشرعنت السلطة وأقفل السؤال وقدّس التأويل ثم تم تحويل الإيمان إلى هوية دفاعية واستمرت الأديان لأنها عملت لمصلحة محددة، وليس لأنها حافظت على أعلى درجات الصدق، أي انها ضحّت بالحقيقة من أجل الجماعة والنظام، وأخضعت الحقيقة لمنطق البقاء[10]. 

فكانت تلك الأديان الأقدر على البقاء تحت شروط السلطة والخوف والجماعة، فالتاريخ الديني لم يكن خطاً واحداً مستقراً، بل عبارة عن صراعات داخلية وانشقاقات وتيارات أُقصيت لأنها لم تكن ملائمة عند تغير الزمان والمكان، بمعنى آخر الذي كان يعمل وملائم هو ما بقي، وليس بالضرورة ما كان أصدق، وهذا ما عرفناه عن فناء المعتزلة في الإسلام او عند سحق الغنوصيات في المسيحية او عند تهميش النبوة النقدية في اليهودية[11]. 

فتاريخ الأديان يبيّن أن ما يستمر وينجح هو ما كان ملائماً، لا ما كان يعبر عن الحقيقة بالضرورة؛ وحيث ان مفهوم الحقيقة متعدد وهناك أنماط مختلفة لها وخلطها يسبب الإرباك.

فهناك الحقيقة الوجودية كالموت والفناء وغياب المعنى وهشاشة الإنسان غير ملائمة بطبيعتها لان يتعايش معها بسهولة، بل يطوّر دفاعات نفسية ودينية ضدها[12].  

وهناك حقائق معرفية وعلمية كدوران الأرض وقوانين الطبيعة وحدود العقل وهذه الحقائق قابلة للتعايش، بل تصبح ملائمة مع الزمن، لأنها لا تمس الهوية مباشرة ولا تهدد البنية الأخلاقية للجماعة فوراً[13]. 

وهناك الحقيقة الدينية كطبيعة الإله والغيب والخلاص والحساب واليوم الاخر وهذه الحقائق لا تُختبر وترتبط بالهوية وترتبط بالخلاص والنجاة ونادراً ما تكون ملائمة دون تأويل او ترحيل أو ترميز[14].  

وهناك حقيقة سياسية اجتماعية كمثل من يحكم؟ ومن يملك الشرعية؟ ومن يعرّف الصواب؟ وهذه الحقيقة غير ملائمة أبداً لمن في السلطة، ولهذا تُستبدل دائماً بأساطير وسرديات وبشرعنة دينية[15]. 

وعليه فبعض الحقائق يمكن التعايش معها وبعضها لا يمكن إلا بعد تشويهها وبعضها لا يُحتمل أصلاً، وهنا كان الخطأ المركزي في التفكير الديني الحديث والمعاصر وهو افتراض أن كل الحقيقة يجب أن تكون ملائمة، أو أن عدم ملاءمتها يعني بطلانها وهذا افتراض نفسي لا فلسفي وقع به مفكرونا من المسلمين ودفعت الشعوب المسلمة ثمنا باهضا بسببه من دون وعي او تفكير. 

فعلى طول التاريخ للمسلمين وفي شتى البقاع قام مفكرونا بانتقاء ما يُقال علناً ورمّزوا ما لا يُحتمل وأجّلوا ما يهدد به الجماعة بمعنى انهم اداروا الدين بطريقة جعلت الدين ملائما لحياة الناس ولم يصنعوا كما يفعل المفكرون اليوم بالدين الأيديولوجي[16]. 

ذلك لان معرفة الحقيقة ليست الغاية النهائية للإنسان وهذا وصف لحدود قدرة عقل وادراك ووعي الإنسان لأنه هشّ نفسياً ومحدود إدراكياً وهو اجتماعي وجودي، ولان لو كانت معرفة الحقيقة غاية الإنسان لكان العلماء أسعد الناس ولان انتهت الأديان وتلاشت المقدسات ولما احتجنا للرمز والفن. 

الحقيقة ليست غاية نهائية، بل أفقاً يُقاس به الصدق؛ والمعيشة ليست إنكاراً للحقيقة، بل اختباراً لقدرة الإنسان على الاقتراب منها دون أن ينهار. 

فمن جعل الحقيقة غاية مطلقة فقد دمّر نفسه.

ومن جعل المعيشة غاية مطلقة فقد قتل الحقيقة ومن جمعهما بلا وعي فقد صنع أيديولوجيا.


  [1] Talal Asad, Genealogies of Religion. Princeton University Press. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780807848441/genealogies-of-religion   [2] Paul Tillich, The Courage to Be، Yale University https://yalebooks.yale.edu/book/9780300188799/the-courage-to-be/   [3] Jürgen Habermas, Religion in the Public Sphere, Behavior Unbecoming a Communist: Jewish Religious Practice in Soviet Minsk. Elissa Bemporad, Jewish Social Studies, New Series, Vol. 14, No. 2 (Winter, 2008), pp. 1-31 (31 pages), Published By: Indiana University Press. https://www.jstor.org/stable/40207014   [4] Charles Taylor, A Secular Age, Harvard University. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674986916   [5] Michel Foucault, POWER/KNOWLEDGE Selected Interviews and Other Writings 1972-1977 Edited by COLIN GORDON Translated by COLIN GORDON, LEO MARSHALL JOHN MEPHAM, KATE SOPER a Pantheon Books, New York. https://monoskop.org/images/5/5d/Foucault_Michel_Power_Knowledge_Selected_Interviews_and_Other_Writings_1972-1977.pdf   [6] The sociology of religion by Weber, Max, 1864-1920 https://archive.org/details/sociologyofrelig0000webe   [7] 
 Stanford Encyclopaedia of Philosophy – Ideology. https://plato.stanford.edu/entries/ideology/   [8] التوبة:30-31   [9] Jan Assmann, Religion and Cultural Memory Stanford University Press. https://www.sup.org/books/title/?id=2134   [10] Jan Assmann, The Price of Monotheism Princeton University Press. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691140053/the-price-of-monotheism   [11] Bart D. Ehrman, Lost Christianities.ttps://www.bartehrman.com/lost-christianities/   [12] Ernest Becker, The Denial of Death, 1973. https://archive.org/details/denialofdeath0000beck   [13] Karl Popper, Conjectures and Refutations, Stanford Encyclopaedia of Philosophy, First published Thu Nov 13, 1997; substantive revision Mon Sep 12, 2022 https://plato.stanford.edu/entries/popper/   [14] Paul Tillich, Dynamics of Faith, Stanford Encyclopaedia of Philosophy https://plato.stanford.edu/entries/tillich/   [15] Michel Foucault, Truth and Power. https://foucault.info/documents/foucault.truthAndPower.en/   [16] Friedrich Nietzsche, On Truth and Lies in a Nonmoral Sense https://www.gutenberg.org/ebooks/10145