سليمان عسكري بك... عند تخوم المجد والهزيمة

سليمان عسكري بك... عند تخوم المجد والهزيمة 

سيرة ضابط جسّد صراع الدولة بين الحياة والموت   

د. مهند العلام 

27/08/2025

يُعدّ سليمان عسكري بك "Süleyman Askerî Bey" شخصية مركزية في تاريخ اواخر الدولة العثمانية، كونه أول رئيس تنفيذي للتشكيلات المخصوصة "Teşkilât-ı Mahsusa"، وهي الجهاز السري الذي أسسته الدولة العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى للقيام بالمهام الاستخباراتية والعسكرية غير النظامية، وارتبط اسمه مباشرة بفكرة حرب العصابات "الحرب غير النظامية" التي تبنتها الدولة العثمانية كخيار استراتيجي لتعويض ضعفها.

هو أحد أبرز الضباط العثمانيين في بدايات القرن العشرين، ضابط مخلص ومقدام وابتكاري في الحرب غير النظامية، مؤمن بالواجب العسكري والانضباط، والذي يجسد في الخيال العثماني صورة الضابط الذي عاش في فترة انتقالية صعبة بدأـ بانحسار النفوذ العثماني في البلقان ثم تفكك النظام التقليدي وظهور الحركات القومية.

سليمان عسكري بك ليس مجرد بطل عثماني، بل هو تجسيد حي لتناقضات الدولة العثمانية في لحظاتها الأخيرة بين الشرف العسكري والانكسار السياسي، بين البطولة والمأساة، بين المقاومة والثبات، هو يمثل الهوية العثمانية العابرة للأقاليم فهو لا يقاتل من أجل وطن قومي محدود، بل من أجل كيان فوق قومي هو الدولة العثمانية، وشخصيته تجسد الجندي لدولة تنهار لكن ولاءه يتجاوز القدرة الواقعية على الصمود، ويعكس رحلة الجندي العثماني الأخير الذي يحاول الحفاظ على جغرافية الدولة الممزقة.

وُلد سنة 1884 في بريشتينا كوسوفو لأسرةٍ عثمانيةٍ عسكرية، وتخرّج من الكلية الحربية بإسطنبول 1905، وانخرط مبكّرًا في الاعمال العسكرية وشارك في حروب البلقان، وهناك تشرّب بفكرة الحرب غير النظامية كتعويض عن انحسار القوّة النظامية، ثم بعد ذلك قاتل في طرابلس الغرب الى جانب مصطفى كمال باشا 1912، ثم عاد الى الجبهات الشرقية والبلقانية، ثم أُرسل في الحرب العالمية الأولى إلى جبهة العراق.

في عام 1913 أصبح أول رئيس تنفيذي للتشكيلات المخصوصة "Teşkilât-ı Mahsusa" وقاد عمليات تجنيد وتدريب وإيفادٍ لفرقٍ غير نظامية في مسارح متعددة، وهذه التشكيلات هي جهازٌ عثمانيٌّ سري تأسّس رسميًا عام1913 تحت رعاية وزارة الحربية وبإشراف قياداتٍ من الاتحاد والترقي في مقدّمهم أنور باشا، ووظيفته الاستخبارات والاستطلاع والدعاية والتأثير وقيادة حرب العصابات داخل أراضي الدولة وخارجها لتعويض ضعف الجيش النظامي بعد حروب البلقان من خلال تفعيل قوات غير نظامية مرنة وسريعة الحركة وإدارة مسارح حربية مترامية من البلقان والقوقاز الى ليبيا والجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين، في سياق صراعٍ وجودي مع إمبراطورياتٍ أوروبية امبريالية وحركاتٍ قومية انفصالية.

ويتبع هذا الجهاز اسميًا لوزارة الحربية ويتكون من ضباطٌ شباب ومتطوّعين وعشائر محلّية ومن وعناصر خاصة اعتادت القتال غير النظامي ما منحها مرونة عالية وعرّضها أيضًا لانفلاتٍ مِعياري في بعض البيئات.

ترأس سليمان عسكري بك قيادة التشكيلات في الرئاسة الأولى من 1913 والتي تمثّل المرحلة التأسيسية حتى وفاته 1915 والتي تميزت بالمزاوجة بين روح الفِداء والانضباط وبين العمل السري والمباشر وإدارة الشبكات والعمليات خلف الخطوط والاتصالات عبر الحدود، بواسطة خلايا صغيرة وشِبكية ونقاط ارتكاز لوجستية وخطوط إمداد بشرية من العشائر وواجهات دعائية وتعليمية.

في عام 1912 عمل في البلقان عمليات التخريب والاستطلاع ودعم المجموعات الموالية وإعاقة تحركات الخصوم، ثم انتقل بعدها الى ليبيا/طرابلس الغرب فقام بتسليح وتدريب المقاتلين المحليين ودعم عمليات الدفاع ضد الإيطاليين وقام بربط المسألة الليبية بفكرة الجهادٍ التعبوي الرمزي، بعدها قام في القوقاز والأناضول الشرقية بعمليات الاستطلاع وتحريك المجموعاتٍ المحلّية الموالية وقام بعدة عمليات خلف خطوط الروس، وكمحاولة منه استثمار نداء الجهاد عالميًا، وضمن الحرب النفسية ضد الوجود البريطاني انتقل الى سيناء والحجاز والجزيرة.

وحينما قامت الحرب العالمية الأولى 1914–1918 أُرسل إلى الجبهة العراقية لقيادة القوات العثمانية ضد البريطانيين بعد نزولهم بلاد الرافدين، اذ قام بربط العشائر بجهد الدولة، والقيام بعمليات تأثير ضد البريطانيين وخطوطهم، ثم قام بتأسيس وحداتٍ تحمل رمزية عثمانية باسم عثمانجق Osmancık.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1914وفي معركة العراق الأولى قام البريطانيون بإنزال في الفاو واحتلالهم البصرة، وأرادوا تثبيت وجودهم في جنوب العراق، فبنوا التحصينات الدفاعية عند اهوار الشعيبة على بعد 15 كم غرب البصرة، فكلفت القيادة العثمانية سليمان عسكري بك، ليكون قائد القوات غير النظامية في العراق، واستعادة البصرة وطرد البريطانيين، فكانت قواته خليطًا من وحدات عثمانية نظامية قليلة تقدر بحوالي 4–5 آلاف جندي والالاف من المتطوعين من العشائر العربية، فكان مجموع قواته بحوالي 12–14 ألف مقاتل، بينما كان البريطانيون أكثر تنظيمًا مع اكثر من  6–7 آلاف جندي مدعومين بالمدفعية الثقيلة.

في 12نيسان / أبريل 1915 كان اليوم الأول للمعركة، اذ شنّ العثمانيون هجومًا شاملًا على مواقع البريطانيين في تحصينات الشعيبة، وكان الهجوم شجاعًا لكن غير منظم واصطدم بتحصينات قوية ومدفعية فعالة، في حين لم تكن العشائر المقاتلة معتادة على المعارك النظامية الطويلة، فبدأ الارتباك يظهر سريعًا.

حاول سليمان عسكري إعادة تنظيم قواته والقيام بهجوم جديد في اليوم التالي 13 نيسان، لكن البريطانيين تلقوا تعزيزات من البصرة، واستعملوا المدفعية بكثافة، ما سبب خسائر فادحة للعثمانيين، حينها أصيب سليمان عسكري بجروح أثناء هذا اليوم وهو على رأس القوات الأمامية.

وفي اليوم الثالث 14 نيسان تراجع العثمانيون تدريجيًا بعد أن فقدوا السيطرة على المعركة، وأصيب سليمان عسكري وحمل على نقالة بسبب إصابته، وحين رأى انهيار قواته وتفكك العشائر وانسحابهم الشامل من ميدان منطقة الشعيبة وخسارتهم آلاف من القتلى والجرحى، شعر عندها بالمسؤولية وبالعار من الهزيمة، فأخرج مسدسه وأطلق النار على نفسه مفضلاً الموت على الهزيمة.

شكلت هذه الهزيمة صدمة كبيرة للعثمانيين في العراق، وفقدوا الأمل في استعادة البصرة، بينما عززت بريطانيا وجودها الاستراتيجي هناك.

لكن بقي سليمان عسكري بيك يُذكر في الذاكرة العثمانية كرمز للفضيلة العسكرية وللـضابط المثالي من حيث الانضباط والتضحية والوعي المبكّر بجدوى الحرب غير النظامية والمخلص للدولة، وارتبط اسمه بالبطولة والتضحية والانضباط العسكري ودوره في التشكيلات المخصوصة، التي انكفات وتفكّكت بعد هدنة مودروس1918 لكنها بخبراتها وافرادها كانت نواة تنظيمات المقاومة في حرب الاستقلال "الكاراكول" قوى الكفاح في الأناضول والروملي، ثم في مؤسسات الأمن في الجمهورية المبكّرة، والاهم من ذلك بقيت فكرة استمرارية الخبرات، والخيالٌ السياسي الذي يرى في التشكيلات المخصوصة سلفًا بعيدًا لفكرة الأمن القومي والعمل الخاص في السياق التركي الحديث.

لقد اصبح سليمان عسكري بك في الأثر التاريخي الوجه الشخصيّ لتجربة التشكيلات المخصوصة، والضابطٌ الموهوب الذي راهن على أدواتٍ غير تقليدية لإنقاذ دولةٍ تتداعى، حين حقّقت التشكيلات فعاليةً ظرفية في ميادين متعدّدة، لكنها لم تستطع تعويض اختلالاتٍ بنيوية في اقتصاد الحرب والقدرة الصناعية والميدانية. وستظل سيرته تجسيدًا لتناقضٍ مركّب من البطولةٌ والانضباطٌ من جهة، وجدليّةُ العنف والشرعية من جهةٍ أخرى.